حيدر حب الله

167

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

العدالة في حالٍ كهذه وبفعلةٍ بهذا المستوى ؟ الإنسان العادل قد يصدر منه فعلٌ ثم يندم عليه ، أمّا أن يصدر منه فعلٌ بهذا الحجم ولا نسمع عن ندم ، فهذا ما يهزّ الثقة بعدالته بالمعنى الراقي والرفيع الذي يُطرح في عدالة الصحابة . الواقعة الثالثة : التكاذب الذي كان يحصل بين الصحابة أنفسهم ، فهناك شواهد على تكذيب بعضهم لبعض ، كما حصل بين أبي هريرة وجمع من الصحابة ، بل لاحظ طبيعة الخلاف بين أبي بكر من جهة وفاطمة الزهراء ابنة الرسول من جهة ثانية في قضيّة الميراث ، وأنّهم كيف لم يأخذوا بنقل بعضهم بعضاً عن النبيّ في موضوع أنّه يورّث أو لا ! إنّ هذا النوع من الشواهد التاريخية يركّز عليه المعارضون لنظريّة تعديل جميع الصحابة ويسوقون عشرات الأحداث التاريخيّة في هذا المضمار « 1 » . وبصرف النظر عن إمكانيّة النقاش في بعض القصص التاريخيّة التي ينقلها المناقشون هنا وفي إمكانات حمل بعضٍ منها على الاجتهاد ، يمكن أن يضاف إلى ذلك شاهدٌ تاريخي آخر يمكننا أن نذكره وهو أنّنا لم نسمع أحداً من الصحابة احتجّ على أحدٍ بنصوص التعديل العامّة الموجودة في الكتاب والسنّة ، بل قد شرطوا في جمع القرآن عدالةَ الشاهد ، في القصّة التاريخيّة ، فلو كانت هذه الفكرة مركوزة في وعي الصحابة ، لظهرت في كلماتهم أثناء خلافاتهم أو في علاقاتهم مع سائر المسلمين من الأجيال اللاحقة ، ولم نسمع يوماً أنّهم دعوا للصلح أو لبناء علاقة مع الصحابة أو فيما بينهم تقوم على مفهوم عدالة الجميع وصلاح الجميع وجلالة الجميع وعدم الشكّ في نزاهة الجميع . إنّ المعطيات التاريخيّة لا تعطي أيّ إيماء بوجود هذا المفهوم ، ولهذا نحتمل أنّه ظهر في العصر العباسي أو بعد عهد عمر بن عبد العزيز ؛ لأنّ عهد بني أُمية قبله قد لا يسمح بذلك مع اشتهار سبِّ عليّ ومن كان معه من الصحابة ، فأريد لاحقاً طيّ هذا الخلاف في

--> ( 1 ) انظر على سبيل المثال : هاشم معروف الحسيني ، دراسات في الحديث والمحدّثين : 89 - 107 ؛ وأضواء على السنّة المحمدية : 351 - 353 ، وغيرهما كثير .